vendredi 17 janvier 2014

حريّة الضمير في الدستور التونسي



   تنقسم منظومة حقوق الانسان إلى قسمين أساسيّين. الأوّل يكمن في صلب الكيان الانساني و لا يكون البشر إنسانا دونه. و  يشمل هذا القسم الحقوق والحريّات الانسانيّة الجوهريّة أو الحقوق-الغاية، المرغوب في كسبها لذاتها، كحقّ الحياة وحريّة التفكير و الكرامة و المساواة. أما القسم الثاني ، فإنّه يحتوي على الحقوق-الواسطة التي بفضلها نتوصّل إلى تحقيق الحريّات و الحقوق-الغاية.  و هذا القسم يمثّل حقوق المواطنة المسماة بالحقوق والحريّات العموميّة و هو شأن حرية الصحافة والجمعيات والتجمّع و التظاهر السلمي و غيرها.                                                                                              
تندرج حريّة الضمير في صنف الحريّات-الغاية المتعلّقة بالإنسان ككائن عاقل، مفكّر و ناطق. فهي من أخوات حريّة الفكر التي تحتوي على الحريّة الفلسفيّة و حريّة الدّين و العلم والبحث والفنّ والثقافة. ولكن ما الذي يميّزها عن أخواتها؟                                   
الفصل الاول: حقّ واحد في حريّات ثلاث. 
سواء انطلقنا من الفصل 18 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 أو من الفصل 18 من العهد الدولي المتعلّق بالحقوق المدنية و السياسية لسنة 1966، نشاهد اقترانا واضحا بين حرية التفكير والضمير و الدّين :" لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين...".
نستخلص من ذلك  أنّ هنالك حقّ إنسانيّ شامل أصلي وأساسي واحد و هو حقّ الانسان ألعاقل والنّاطق، يتفرّع إلى ثلاث حريات و هي حرية التفكير و حرية الضمير و حرية الدين.
حرية التفكير.
لا يتميّز الانسان في حياته البدنيّة الطبيعيّة عن الحيوان. و العامل الوحيد في تكوين إنسانيّته هو العقل والفكر. فحريّة التفكير هي الأداة الأولى التي تمكّن الانسان من استخدام قدراته العقلية المتألّفة من خيال و ذاكرة و ذكاء و تصور و منطق و تدبير و تمييز.  و هذه القدرات العقلية لا يحدّها شيء سوى حدود العقل البشري. فحريّة التفكير هي حريّة عامة تنطوي على حرية الفكر العلمي و حريّة النظر الفلسفي والتأمّل الديني و حريّة العقيدة و الإيمان و حريّة الخيال الفنّي. و باعتبار أنّ حريّة التفكير هي حرّيّة بالقوة لا تقتحم مجال الفعل والإنجاز العملي، فلا يمكن أن تقيّد بأي قيد قانوني. "فكّر ما شئت و لا حساب" :هذا هو شعار المنظومة القانونيّة في مجال حريّة التفكير التي تظل حريّة مطلقة.   
حريّة الدّين.
استوفت هذه الحريّة الجانب الأوفر من الفصل 18 من العهد الدولي للحقوق المدنيّة والسياسية لسنة 1966:
"1 .لكل إنسان الحق في حرية التفكير والضمير والدين[1]. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
2. لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره.
3. لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقد
ه إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
4. تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة". 
وصدر التعليق العام عدد 22 عن لجنة حقوق الانسان بغية تفسير هذا الفصل.
يتبيّن من هذا النصّ أنّ حريّة الدين حريّة مركّبة و تحتوي على العناصر الآتيّة:
-        أن يدين الشخص بدين ما
-        و أن يعتنق أيّ دين يختاره
-        و أن يظهر دينه أو معتقده بالتعبّد و إقامة الشعائر و التعليم  الفردي أو الجماعي في المجال الخاص أو علنا
-        أو أن يضمر دينه أو معتقده
-        و لا يجوز الإكراه لإدخال أي كان في أي دين كان
-        و لا يجوز الزام أحد إظهار دينه أو معتقده
-        و للأسرة أن تقرّر لأبنائها دينا أوأخلاقا يتبعونها.
النتيجة الحتميّة التي تترتّب عن هذه المبادئ السبعة تتمثّل في أنّ الحريّة الدينيّة تقتضي التعدديّة وعدم التمييز بين الأديان أمام القانون و هو ما لا يتماشى مع منوال "دين الدولة". و حتّى لو قبلنا أنّ من واجب الدولة أن تراعي الحساسيّات الدينيّة الجماعيّة و تحمي المقدّسات لأسباب سياسية و لضمان النظام العام، فلا يجوز أن يكون ذلك حكرا على دين معيّن و ان كان دين الأغلبيّة. فالصياغة التي أُقرّت للفصل 6 من مشروع الدستور[2] التونسي تتناقض مع مبدأ التعدديّة الدّينيّة.
حريّة الضمير.  
تعني حريّة الضمير أن يؤمن الشخص أو يعتقد ما يمليه عليه اقتناعه الشخصي حسب تأمّله في الأشياء. و تتعلّق هذه الحريّة بالقناعات الكبرى التي تستوجب اختيارا بين أضداد في مجالات  خلافيّة من مجالات النظر الفلسفي و الأخلاق والمعتقد الديني.  
علاقتها بحريّة التفكير.
التفكير عبارة عن تفعيل الفكر البشري واستخدامه على أوسع وجه ممكن، دون علاقة  ضروريّة بالمسائل الخلافيّة التي تستوجب اختيارا شخصيّا مصيريّا عميقا في ميدان الفلسفة أو الأخلاق أو المعتقد الديني و الماورائيّات.
فحريّة التفكير أكثر شموليّة من حريّة الضمير و أكثر استقلاليّة بالنّسبة لمسائل القناعات و الاختيارات الشخصيّة المصيريّة الكبرى وهي بالتالي أقل ذاتيّة و شخصنة من حريّة الضمير. فقد تكون حريّة التفكير متمثلّة في نشاط العلماء واختياراتهم العلميّة عقب الشكّ و اصتفاء الافتراضات الأقرب إلى اليقين العلمي و قد تكون متمثلّة في ابتكارات واختيارات الفنّانين و الأدباء و الشعراء في مجال الذوق والجمال و قد تكون متمثلّة في اختيارات المهندسين  في مجال التكنلوجيا بشتّى أصنافها.  هذا النوع من الاختيارات حتّى و إن مسّ ذهن المفكّر أو بلغ أحيانا وجدانه، فإنّه لا     يتعلّق بالاختيارات الشخصيّة المصيريّة المتعلّقة بذات المفكّر و مصيره حسب قناعاته الفلسفيّة أو الأخلاقيّة أو الدينيّة. و هذه القناعات هي إجابات يقرّرها الضمير عن الأسئلة الآتية: ما هي الحقيقة و كيف اختار بين الحقائق؟ ما يجب أن أفعل في معاملتي مع الغير؟ هل من وراء الكونِِ كونٌ؟
علاقتها بحريّة الدّين.
إن كان لحريّة الضمير علاقة متينة بحريّة التفكير و الرأي و ما جاورها من الحريّات الذهنيّة، فإنّ علاقتها بحريّة الدّين أمتن و أقوى وذلك لاعتبار أنّ الاعتقاد الديني، رغم أنّه يرفع للعيان مبدأ "لا إكراه في الدّين"،  يبقى في كثير من المجتمعات مبنيّا على التوارث و التوجيه الجماعي، إن لم نقل على الضغط  السياسي و القهر دون اختيار، مما ينال من حريّة الانسان و تقرير مصيره و يتناقض مع حرية الضمير. و تأريخ الدّيانات السماويّة لهو شاهد على ذلك، من الإبادات الجماعيّة في "العهد القديم" ضدّ المشركين من أهل مدْين و الأموريين و الكنعانيين والحوثيين و غيرهم، إلى المحاكم التفتيشيّة النصرانيّة، إلى حكم إعدام المرتدّ و حروب المصالح في الفقه الإسلامي. و في هذا المناخ، إذا اعترف الدين بشيء من الحريّة فلا يعترف بها لذويه من صلب ملّته بل للملل الأخرى في نطاق الصلح معها.  
تمكّنني حريّة الضمير، هذه الحريّة المنبثقة عن مكاسب التقدّم في ميدان الفكر الاجتماعي و الأخلاق،  من أن أؤسّس إيماني على أصول جديرة بإنسانيّتي ككائن مفرد مستقلّ عاقل مفكّر و ناطق و أن أخرج بفضل ذلك عن قانون التبعيّة بالتوارث و التقليد و هو القانون المتّبع مطلقا في المنوال الحيواني، منوال القطيع، و المتّبع نسبيّا و بموجب الضرورة في المنوال السياسي البشري، كما هو الشأن في نظام "الرّاعي و الرعية". حريّة الضمير وحدها تضمن أن يكون للدّين معنى صادق غير مزيّف أو مبنيّ على الروع والفزع، أي أنّها وحدها تحقّق مبدأ "لا إكراه في الدين" الذي ينادي به الدين الصحيح البعيد عن الاستغلال السياسي ومناوراته.
تمكّننا حريّة الضمير من أن نكون متديّنين أو لا دينيّين، و أن نقرّر من بين الأديان ما هو الأصح لنعتنقه، وأن نقتدي بدين أصولنا أو أن نخرج عنه لاعتناق غيره من الأديان أو من الرؤى اللادينيّة. و من يرى لذلك مانعا فهو من أعداء الحريّة أو من الجهلة الذين يفضلّون تغليب بهيميّتهم على إنسانيّتهم و هم راضون بل مفتخرون بهذا القصور الذهني.
الفصل الثاني: نظام حريّة الضمير.
تعتبر حرية الضمير من الحريات الأساسية في النظام الديمقراطي وهي معيار التفرقة بين الدولة المدنية المؤسسة على سيادة الشعب و علويّة القانون  والدولة الدينية (أو التيوقراطية) وهي من الأنماط الأساسية للنظم الإستبدادية، تحتكر معا موارد الدولة والخطاب الديني ثم تفرضه بالإقصاء والقمع و القتل على مناوئيها.
يعتبر رجال القانون أن حرية الضمير من الحريات غير القابلة للاستثناء أوالتعليق في حالات الاستثناء    أوالطوارئ حسب الفصل 4 من العهد الدولي لحقوق الإنسان، مثلها كمثل حق الحياة أو الأمان الشخصي ضد التعذيب، أوضدّ العبودية، أو الخدمة الإجبارية.
وتقتضي هذه الحرية ، من الناحية الإجابية، أن يعتنق الشخص ما يراه صحيحا من معتقدات وآراء، كما أسلفنا، ومن الناحية السلبية، أن لا يكون له أي اعتقاد وأن لا يكون مجبرا على إظهار معتقده. وهذا ما ذهبت إليه لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام عدد 22 على الفصل 18، رغم أن العهد لا يعترف صراحة بحرية تغيير الديانة خلافا للإعلان العالمي لسنة 1948. تقول اللجنة في الفقرة الخامسة من تعليقها المذكور إن حرية  الشخص في هذا المجال تقتضي "حرية اختيار دين أو معتقد، بما في ذلك تبديل دينه أومعتقده الحالي بدين أو معتقد آخر، أوتبنّي موقف ناف لكل ديانة..."
وعلى غرار جميع الحريات الأساسية لا يمكن للسلطة العمومية أن تحد من حرية الضمير إلا بالشروط المعروفة في هذا الشأن وهي :
-        أن تكون القيود ضرورية
-        أن تكون معرّفة بقانون
-        وأن تكون مفروضة لأسباب حماية الأمن العام أوالنظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو الحريات أو الحقوق الإنسانية للغير
-        مع احترام التناسب بين الحد المفروض على الحرية والغاية الحقيقية المنتظرة منه.

تكتسب حرية الضمير اليوم في تونس أهمية بالغة في إطار الجدل الحاد بين المنادين بإرساء دولة دينيّة، مناصري المنظومة الفقهية العتيقة التي تحكم بالإعدام على المرتدّ وبين مناصري حقوق الإنسان والمدافعين على استقلال الفرد في تقرير توجهاته العقائدية الذين يؤمنون بتفوّق الحرية الفردية على كل اعتبار آخر.
وقد تبلور هذا الجدل في سعي البعض إلى تجريم الاعتداء على المقدسات في الفصل 4 من  المسودة الأولى والثانية (أوت و ديسمبر 2012) من مشروع الدستور الذي كان ينص على ما يلي : "تضمن الدولة حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وتجرّم كل اعتداء على المقدسات الدينية". والجدير بالذكر أن مثل هذه المساعي رجعت اليوم إلى ساحة النقاش في المجلس الوطني التأسيسي في شكل لائحة ترمي إلى تعديل الفصل 6 من مشروع الدستور المؤرخ في 1 جوان 2013 الذي فاز بالأغلبيّة، بهدف تجريم الاعتداء على الذات الإلهية والقرآن الكريم والرسول المكرّم مع حذف حريّة الضمير.
ليس بإمكان هؤلاء أن يستبطنوا مفهوم الحرية ومدى استقلال الفرد في تقرير مصيره داخل مجتمع تعدّدي. إن أذهانهم مازالت تسبح في محيط الفكر الاستبدادي الذي يكره الحريّة ولا يؤمن في المجال الديني إلا باستخدام القمع والقهر. وقد اتّخذوا لذلك رمزا ناطقا وهو السيف القاطع للرّقاب.
ومن البراهين السخيفة المعتمدة عندهم أنّ حريّة الضمير ستفتح أبوابا واسعة لعبدة الشيطان و الأنصاب ولإظهار الكفر و الزّندقة علنا في بلادنا. و ما أبعد هذه الأقوال المصطنعة عن الحقيقة، إذ  نراهم يتجاهلون عمدا أنّ  ممارسة حرية الضمير كغيرها من الحرّيات تبقى رهينة "حماية الأمن العام أوالنظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو الحريات أو الحقوق الإنسانية للغير". و لتفعيل ذلك يبقى الميزان في يدّ الدولة تعدّل حسب تقديرها للصالح العام في مناخ ديمقراطي.
وعلى هذا الأساس نجزم بأن الفصل 6 من مشروع الدستور، رغم ما فيه من تناقض، لهو أعظم مكسب لتحقيق الثورة بتحديث المجتمع التونسي و تحرير رقابنا من كابوس العبوديّة الفكريّة التي يروم البعض تسليطها علينا. وسيبقى علامة فخر واعتزاز للذين صوّتوا عليه و للشعب التونسي عبر القرون المقبلة.




 في الترجمة الرسميّة "...حريذة الفكر و الوجدان و الدذين."
[1]
  الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي..
يحجّر التّكفير و التّحريض على العنف.
[2]

mardi 10 décembre 2013

الدّين و الفنّ بين التآزر و التنافر



الديانة هي مجموعة من التصورات و الأفكار المجرّدة حول مسائل تتعلق باللامفهوم في حياتنا البشرية، مثل الموت و الفناء و الخلق و الوجود و البدء و الرجع و الزمان و الدهر   و الفكر و الروح و المادة.
ورغم أن هذه المسائل لا تستوجب شيئا آخر سوى الافتراض و التفكير و التدليل، إلا أنها في حاجة ملحّة للترميز و التمثيل و التجسيد، و ذلك لأغراض الإفهام و تسهيل الإدراك من جهة، ومن جهة أخرى للتعبّد من قبل جمهرة المؤمنين.
فكل دين في حاجة ماسّة للتحوّل من الجوهري إلى الشكلي بجميع أصنافه، أكانت من الفنون التشكيلية كالنحت و الرّسم و التصوير و التلوين أو كانت من الأنماط الصوتية كالأنغام و الغناء و الدفّ و الإيقاع و الترنّم و الترتيل و التجويد، أو من الأنماط الجسدية كالرقص و الرياضة أو من الأنماط الأدبية كالشعر و السجع والخطابة أو من الأنماط التمثيلية الناطقة كالمسرح.
و إلا ما معنى المعابد الفاخرة و اللوحات الملوّنة و الحجر المنقوش و الأصنام و الأهرام و التماثيل و صور الآلهة في ديانات مثل البودية و الهندوسية و ديانة الفراعنة و ديانات الإغريق و الرومانية ؟ يكفيك لكشف ذلك أن تتجوّل قليلا في معابد  أنقور Anghor أو أن تزور الأهرام المصرية أو كنائس البندقية أو روما أو بزنطة القديمة.
 و ما معنى اللوحات و التماثيل فيما يسمى بالفن المقدّس و التي أنتجها عباقرة الرسامين الأوروبيين في مجال القصص و الأحداث و الأسرار الدينية مثل الخطيئة و التكوين و التجلّي و الموت فوق الصليب و التأليم و القيام و العذراء و الابن و حياة الصالحات و الصالحين؟ ولتكتف هنا بيذكر لوحة التجلي لرافايال Raphael  و تمثال موسى لميكال أنجل  Michel Angelo و تحطيم اللوحين لرانبرانت Rembrandt و الرسم الجداري للتكوين الذي أنجزه ميكال أنجلو على سقف معبدة السكستين، حتى أننا بلغنا إلى تمازج تام بين الصناعات الفنّية و التعبير الديني، يمكن لأي سائح في العواصم الغربية و الشرقية المسيحية أن يشاهدها في كل ركن من أركان المعابد و الكنائس التي ملئت باللوحات الزيتية و الرسوم الحيطية و الزجاج المعشق و الزرابي المصوّرة.
القسم الأول:
  المقدّس الفنّي و الفنّ المقدّس

فالفنّ حامل أساسي للدين و محمل من محاملة و المقدّس في أعلى مراتبه، أي في نصوصه المقدّسة، لا يتخلّف عن استخدام شتّى أساليب الفنّ و على رأسها الفنون الأدبية. نجد مثل ذلك في التشبيهات والاستعارات  الساحرة الواردة في اللآية 35 من سورة النور: "الله نور السماوات و الأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درّي يوقد من شجرة مباركة ، زيتونة لا شرقية و لا غربية ، يكاد زيتها يضيئ و لو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الأمثال للناس و الله بكل شيء عليم". و قد تردّدت صورة المصباح في همزية البصيري، "أنت مصباح كل فضل فما تصدر إلا عن ضوئك الأضواء".
 و من دلائل هذا التمازج بين الدين و الفنّ ، المقارنة بين الخلق و التصوير في النّصوص الدّينيّة السماويّة و غيرها من النّصوص الميثية إو الفلسفيّة. نعرف أن الإلاه خنوم في الدين العتيق المصري صنع الإنسان على عجلته من طمي النّيل كالفخّار. و قد ورد هذا المعنى في ميثلوجيا  الكون الافلاطونيّة في كتاب الطيمايوس حيث يبرز العقل الفعّال المكوّن، كإلاه فنّان يصوّر و يسطّر ويقسّم و يكوّر و يجمع عناصر الكون الماديّة و الروحانيّة. أما الأديان السماويّة فقد تبنّت نفس المنهج. جاء في سفر التكوين:" فجبل الربّ الإلاه الإنسان ترابا من الارض ونفخ في وجهه نسمة فصار الإنسان ذا نفس حيّة". و لا شكّ أنّ الآية 24 من سورة الحشر أكثر دلالة في معنى التلاحم بين الخلق و التصوير:" هو الله الخالق، البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى".
فالتصوير هو الباعث الشكلي للإنسان و غيره من المخلوقات:" يا أيها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدّلك في أي صورة ما شاء ركّّبك".  ولنسأل : هل هنالك فوارق جوهرية بين الخلق و الفن ؟ هنا و هنالك نجد التخطيط ، و التصوير و التعديل و التسوية و التركيب . وقد تدعّمت هذه الفكرة – أي المقارنة بين الفن و الخلق – في أية عجيبة من آيات سورة الرحمان: " فبأي آلاء ربكما تكذبان، خلق الإنسان من صلصال كالفخّار و خلق الجان من مارج من نار".
 فالله شبّه صنعه بصنع الفخّار، أي بصنع فنّان يعمل في مجال معيّن من مجالات الفنّ. و في نفس السياق شبّه التكوين بالتزيين في قوله :" ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح" أو في قوله " إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب".
 فلا غرو بعد ذلك أن تصبح آلة التصوير و التزيين و التسطير كالآلة المقدّسة يحلف عليها: "ن و القلم و ما يسطرون"، و لا غرو كذلك أن يصير القلم هو أداة الوصل بين علم الإله و علم الإنسان:"إقرأ و ربّك الأكرم الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم".
ولكنّ الخوف كل الخوف من هذا الفنّان الخلاق، أن يخطئ فيحسب أنه خالق أو أنّه شبيه به أو قريب منه. لنذكر في هذا السياق ألأسطورة الدّالة والجارية على حياة ميكال أنجلو Michel Angel والتي تدّعي أنّه عندما انتهى ونفض يديه من تمثال موسى المشهور ألقى إليه بمطرقة منفعلا و خاطبه قائلا:"تكلّم الآن".  أهذا الأمر المستحيل علامة معجز أو علامة عجز؟
و قالوا في شعر المتنبي إنه معجز،  "معجز أحمد" و كأنهم يريدون بذلك أن صلة ما تربط بين الإعجاز القرآني و المعجز الشعري، و نسبوا ذلك إلى أبي العلاء المعري، صاحب " اللامع " في شعر المتنبي، علّهم ينالونه بالإساءة.
أما أبو القاسم الشابي فبعدما أعلن: " إنّي أنا الناي الذي لا تنتهي أنغامه"، فقد خلص إلى أن قلب الشاعر " جاش بالوحي المقدّس"، و هو ما يرفع من شأن الشاعر بالنظر لسائر العباد لسبب قدسيّته.
 من المعجز نمرّ إلى الإعجاز و هو صفة الشيء الذي لا يمكن إدراكه لأنه فائت و سابق، فجرت الكلمة عند المفسّرين على الجمال القرآن الذي لا يؤتيه الشعراء و الأدباء  و الخطباء و أصحاب البلاغة مهما فاقت قدراتهم . و اختلف المفسّرون في معيار الإعجاز، فمنهم من قال إنه البلاغة و منهم من قال بأن الله صرف الناس عن معارضة القرآن، و منهم من قال بحكمية القرآن و حقانقه العقلية و العلمية، و منهم من ذكر ما انطوى عليه القرآن من الأخبار عن المغيّبات و قد حصر القاضي عياض في الباب الأول من كتاب "الشفاء" إعجاز القرآن في أربعة عناصر: الإعجاز البلاغي و الإعجاز الأدبي و الإعجاز الغيبي  و الإعجاز العلمي. ولكن منهم من رأى أن الإعجاز القرآني يكمن في تفوّق ذوقه، وهو قول السكاكي في كتاب ألمفتاح، إذ قال : ّو اعلم أن شأن الإعجاز عجيب ، يدرك و لا يمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تدرك و لا يمكن و صفها، أو كا لملاحة . و مدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلاّ ".
و يروى أن الوليد بن المغيرة، لمّا سمع إحدى آيات البقرة قال:" و الله إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة... و ما هو بكلام بشر". و نفهم من كلامه أنه وصل بين الإعجاز والجمال الفني.
أما جلال الدين الرّومي، فقد وصف القرآن بالعبارات الآتية :"القرآن .. الساحر العجيب، الذي له لطف عجيب يختم على الانسان الذي يسمع و لا يفهم".
جلال الدين الرومي هو الفيلسوف الشاعر ، أصل الطريقة المولوية و هي طريقة الدراويش الذين يجعلون من فن الرقص الروحاني و النغم وجها من وجوه التعبّد و الفناء في الله، أخذا بمقولات الرومي الذي كان يرى أن الصلاة الحقيقية ليست من الصور الظاهرة و إنما هي صلاة الروح. و الأنغام تغذية للروح عن طريق الباطن و لا الظاهر. و جاء كلامه في فصل من فصول كتابه "فيه ما فيه".
"و الخلاصة أن هذا العمل ليس صلاة و صياما. فهذه صورة للعمل . العمل معنى في الباطن".
فالموسيقى و الشعر و الرقص الروحاني كلها تعبّد، و من شأن هذا الفنّ أن يؤدي إلى الفناء في الخالق المحبوب و هو  الحق عند الصوفية.
و المحبوب محبوب لغاية جماله ، و كما أنّ الحب درجات، فالجمال درجات، من المادي إلى الروحاني إلى الإلاهي، و هذه هي نظرية الجمال عند ابن عربي.
يرى بن عربي أن الجمال يتدرّج من الجمال العرضي المتبدّل إلى الجمال المطلق الذي يلتقي فيه الجلال و الجمال، فيصبح هو موضوع التشوّق لله.
في الفتوحات المكّية يروي بن عربي عن مسلم :" إن الله جميل يحبّ الجمال". فإن كان ذلك كذلك، يضل الحب لذات المولة هو كدح  الإنسان الذي ذكره القرأن في :"يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه". و يظل التعبّد معرفة جمال الله عن طريق برتقي من الحبّ الصوري، أي الفنّ الأصغر، إلى الحب الجوهري، و هو الفن الأكبر . فجمال العالم الصوري المادي منه أو الحي، يفسّره جمال الله ووحدة الكون. العالم جميل، عند الصوفية، لأنه صورة اللاصورة:
"جمالك في كل الحقائق سافر
و ليس له إلا جلالك ساتر"
وانطلاقا من ذلك يضع الصوفية علاقة وصل بين الجمال الإلاهي و الجمال الإنساني لاعتبار أن الله تجلى في مخلوقاته، وهي إلى جماله ناطرة،  كما قال بي عربيّ:
فما نظرت عيناك مثلي كاملا
و ما نظرت عيناي مثلك إنسانا
ظهرت إلى خلقي بصورة آدمي
وقررت هذا في الشرع إيمانا"
 و يسابقه الحلّاج في نفس الفكرة، قائلا في الجمال الإلاهي و العشق له:
"و الله ما طلعت شمس و لا غربت
 إلا وحبّك مقرون بأنفاسي
 و لا تنفّست مسرورا و مكتئبا
إلا و أنت صهيلي بين أنفاسي
 و لا شربت شراب الماء من عطش
 إلا رأيت خيالا منك في الكاس
أكاد من فرط الجمال أذوب
هل في رضاك يا حبيب نصيب"
و لابن الفارض مثل هذا، لكنّ و قتي ضيق و فنّه واسع، و لكن دعوني استشهد بعمر الخيام في اعترافه إن الحب متعب للعاشقين كالجمال، و هو الذي قال:
القلب قد أضناه عشق الجمال
و الصدر قد ضاق بما لا يطال
يا رب هل يرضيك هذا الضما
و الماء ينساب أمامي زلال"

القسم الثاني
تبرّؤ الدين من الفن
و تمرّد الفن على الدين

رغم التلاحم بينهما، لا يخضع الدين و الفن لنفس الدوافع. دافع الدين أخروي ماورائي، و نقطة التمفصل الوجودي عنده هي ساعة الموت، و لا ينشغل بالحياة الدنيا الّا في حدود استدراجها في الأخرويات. فالحياة الحقيقية عنده هي الحياة الأزلية ولا الحياة الفانية.
و الدين طاعة و خشوع و تضرّع و خشية، و خوف من اللعنة الإلهية  و الغضب الربّاني، و العقاب الجهنمي. و من هذه الزاوية يقبّح الدين كل ما من شأنه أن يلهي الإنسان عن عبادته أو أن يبعده عن سبيل الله و شريعته، كاللهو و الهوى و حبّ الحياة الدنيا. هذه الأمور الوهميّة التي هي من باب :"لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد"، يعارضها باب آخر و هو"كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرّا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب مبين".  فالحياة الدنيا متاع الغرور. و فلسفة الديانات فيها "أن لا تغرنكم الحياة الدينا  و لا يغرنكم بالله الغرور". و هذه الفلسفة هي التي عبّر عنها سفر الجامعة بالكلمات الآتية: "قال الجامع باطلة الأباطيل و كافة الأشياء باطلة" و بالعبريّة : » « Havel havelim hakol havel. وهذا التصوّر نجده في صلب البودية التي ترى :
-أن الحياة معانات و متاعب و آلام و شقاء
-و أن أصل هذه المتاعب يكمن في الرغبة و النهب و الشغف بالنعم و الجمال.
-و أن سرّ التخلّص و اليقضة يكمن في التغلّب على هذه الرغبة في الحياة و هو مبدأ الحكمة.
و من جملة هذه التصورات تنحدر نزعة الدين إلى الزهد، و الفقر و الاعتكاف و التخلّي و المرابطة و الرهبانية.
أما دافع الفنّ فهو دنيوي، يعمل لتجميل الحياة و خدمتها، وهو إبداع و خيال و آمال و تمرّد. جنّته في دنياه. يؤمن بتقدمها و نموّها الذاتي و جمالها الكلي و الجزئي و التفصيلي، و فلسفته الأزلية هي فلسفة الأنسية و الكونية حتى و إن اتحدت فيها فكرتي الرحمان و الإنسان. لا يوجد فن زاهد ، بل الفن فيضان و غليان و فرط.
أن يكون الجمال وجميع فنونه في صلب الدّين وحتّى في كيانه وأصله، كما بيّنّا من قبل، لا يمنع من كون الدّيانة محمولة دائما على تبيين مزاياها وتفرقتها عن الفنّ، حتّى لا يُظنّ أنّ أخرويّة المجال الدّيني تتساوى مع دنيويّة الفنّ، أو أنّ الوحي قد يُشابه الإلهام، أو أنّ الإعجاز قد يساوي الإبداع، بل شتّان بينهما. إنّه وحي "يُوحى" ولا إلهام يُلهم : هذه هي الرّسالة المبدئيّة التي أراد الدّين أن يوجّهها إلى الفنّ، وهي رسالة تفرقة جوهريّة، تأتي قبل التّعاشر والجوار بينهما.
وللإسلام في هذا المجال الحسّاس ضروب شتّى ترتكز كلّها على أنّ الرّسول ليس بشاعر ولا مجنون. فشبّه الشعراء بالمجانين الآتين بالهوى و الغويِّ، منصرفين على الحقّ والرّشد والعقل، كما جاء في الآية 35 إلى 37 من سورة الصافات، "إنّهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلاّ اللّه يستكبرون 35 ويقولون أيّنا لتاركو آلهتنا لشاعرٍ مجنون36 بل جاء بالحقّ وصدّق المرسلين 37".
وجاء في سورة الطور (29-30) "فذكّر فما أنت بكاهن ولا مجنون. أم يقولون شاعر نتربّص به ريب المنون، قل تربّصوا فإنّي معكم من المتربّصين".
ومع الطعن في شخصيّة الرّسول، أتى منهم الطّعن في القرآن، إذ قالوا : "بل افتراه بل هو شاعر" (الأنبياء).
من هذا المنطلق، تحوّل التّنزيه إلى تجريح، فنزل الحكم على الشّعراء وعلى أتباعهم، مُلحقًا إيّاهم بزمرة الأفّاكين، الكاذبين، الهائمين في الآيات 221 إلى 225 من سورة الشعراء : "هل أنبّئُكُم على من تَنَزّلُ الشياطينُ 221  تنزَّلُ على كلّ أفاك أثيم 222 يلقون السمع وأكثرهم كاذبون 223 والشعراء يَتّبعُهُم الغاوون 224  ألم تر أنّهم في كلّ واد يهيمون   225". فلا تختلط النبوّة بالشّعر وقد هجا الظّبي المتنبّي قائلا : "الزم مقالَ الشعر تُحظى به       ***      وعن النبوّة لا أبالك فانتزع"
وبعد إنزال الشعراء منزلتهم، يرد تنزيه الرّسول وإعلاء سرّه وصفته الأساسيّة (وهي الوحي) عن صفات الشعراء :" والنجم إذا هوى ما ضلّ صاحبكم وما غوى و ما ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى...". ومع تنزيه الرّسول عن أن يكون شاعرا ورد تنزيه القرآن عن أن يكون شعرا في الآيات 69 و 70 من سورة يس : " وما علّمناه الشعر و ما ينبغي له إن هو إلاّ ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين".
لا ريب في أنّ الدّين رهين المناخ الذي نشأ فيه والذي كان يرمي إلى إصلاحه وتبديل أنماطه العقديّة، فلا غرو حينئذ ، إن نشأ الدّين الجديد في بيئة من عبدة الأصنام أو الصّور أو النّار أو عناصر أخرى من جماد  الطبيعة أو أحياءها، أن يأتي هذا الدّين بتحريم هذه المظاهر التّعبّديّة.
وهذا ما وقع بالفعل في الدّيانات السّماويّة ابتداء باليهوديّة. فقد جاء في سفر الخروج الأصحاح 20 من العهد القديم:
"ثمّ تكلّم اللّه بجميع هذه الكلمات قائلا : "أنا الرّب إلاهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبوديّة. لا يكن لك ألهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما ممّا في السّماء من فوق وما في الأرض من تحتُ وما في الماء من تحت الأرض".
وكان هذا الحكم الصارم يهدف إلى تحقيق غرضين اثنين :
الأوّل ، أن لا يعود الإنسان إلى عبادة الأصنام والانصاب وممارسة الفاتشية، كما كان في عهد الوثنيّة أو كما فعل عند تعبّده العجل الذّهبي الذي صنعه وسجد له وقد كان موسى، كليم الله، قائما عند وجه ربّه الأعلى يتلقّى منه الوصايا العشر.
الثاني ، أن لا يتبادر في ذهنه أنّه قادر على أن يُداني الخالق وهو المصوّر المطلق الوحيد. فلا يجوز المقارنة بين التّصوير الإلاهي والتّصوير الإنساني ومن هنا جاء حكم تحريم التمثيل والتجسيم.
تشبّث الإسلام بحكم التحريم وبالخصوص في ميدان التّماثيل التي تُعدُّ من أشدّ أنواع التّجسيد تحريما. وجاء حكم التحريم على أساس أنّ الأنصاب في القرآن "رجسٌ من عمل الشيطان" وعلى أساس أحاديث مثلَ "ومن أظلمُ ممّن ذهب يخلُقُ كخُلقِي" أو "إنّ أشدّ النّاس عذابا عند اللّه يوم القيامة المصوِّرون" وقد أطنب الفقهاء في هذا المجال التّحريمي، عن طريق التّأويل ونقشوا فيه كما شاءوا.
و من هنا تشكّلت كراهيّة الدّين للفنّ و الفنّانين، لأنّ المتقمّصين بثوب المؤمنين شاعرون بأنّ الفنّ منافس للدّين من جهة وأنّه هو الباعث الأساسي للثورات الفكريّة، متمرّد على الدّين من جهة أخرى.
ونشأة الحداثة في التّاريخ لهي دليل على ذلك، حيث انّ الأدباء والشعراء و الرّسّامين هم الذين كوّنوا نقطة التّحوّل بين القرون الوسطى الزّائلة والأنسيّة النّاشئة، وذلك بتحريرهم جميع الأنماط الأدبيّة واللّغويّة والشعريّة والمعماريّة من قيودها الدّينيّة المفروضة عليها من قبل المنظومة الكنسيّة.
فخلّصوا الألوان، والذّوق، وأطلقوا عنان الاختراع ضدّ التّقليد، وعادوا إلى النّمط الكلاسيكي الوثني اليوناني والرّوماني، ورفعوا ستار الكبَت عن الأجساد والعواطف والصّور و اللّغة والهندسة المعماريّة. وقد ساهم في هذه الثورة الثقّافيّة كلّ من دانيت اليقيارَى ) Dante Alighieri 1265-1321( فيما بين القرن الثاني عشر والثالث عشر، و الشاعران بترارك  Pétrarque (1304-1371)    فيما بين القرن الثاني عشر والثالث عشر، و بوكاشيو Boccaccio (1313-1375) في القرن الرّابع عشر، و ليونردو دافنشي Léonardo Da Vinci  (1452-1519). و كسّر بوتيتشالي Boticelli (1444-1510) معايير الرّسم واللّوحات الزّيتيّة، قصد تحريرها من التّزمّت.
إلاّ أنّ القلم الذي أرسى مبادئ الحداثة المتمثّلة في تحرير الذّات الإنسانيّة لهو بيك دي لاميرندولا Pico de la Mirandola -1463)  1494 في كتابه "في كرامة الإنسان" De hominis Dignitate.  في هذا الكتيّب يرى Pico، أنّ الخالق جعل الإنسان دون مصير محتوم، ولا وجه معلوم ولا هبة خاصّة، وإنّما خلقه ليغتنم نفسه وينزع مصيره. فالإنسان مالك نفسه، صانع وجهه وصورته، كالنّحّات أو الرّسّام يصوّر المادّة كما يشاء. والغريب في الأمر أنّ Pico استهلّ مصنّفه قائلا :"قرَأت في كتب العرب أنّ الإنسان،  في هذه الدّنيا التي هي بمثابة المسرح، هو المشهد الأحقّ بالتكريم".
فكيف يجيب الدّين الوضعي -أي المتموضع في المؤسّسات الاجتماعيّة أو الدّين السّياسي، كيف يُجيب عن تلكّم القدرات الفنّيّة الاختراعيّة ؟
 إنّه يُجيب بالتّحريم والتخريب والتّعذيب والقتل ضدّ المثقّفين والفنّانين والمفكّرين، كما فعل سافونارول Savonarole بمدينة فيرنزي Firenze آخر القرن 15، عندما نصّب ما أسموه "محارق الغرور"  Falo della Vanita وأمر بإحراق التحسينات التّائفة التّجميليّة مثل المرايا والحليّ وأدوات التّجميل الجسدي وآلات الموسيقى. وقد فُرِضَ على Boticelli أن يلقي بلوحاته إلى النّار لغفران ذنوبه و ذنوب المجتمع الذي كفله. و هذا ما فعل الموحّدون في غزوهم المغرب العربي عندما جرّموا ولاحقوا المغنّين والشّعراء والعازفين على آلات الموسيقى فكسّروها وأتلفوها، وهذا هو نهج الذين قتلوا الحلاّج والسّهروردي، وهذا هو نهج الوهابيّة وما يسمّى اليوم بالسّلفيّة الذين استوفوا على الفنّ والفنّانين والتجميل الحضاري بشتّى أنواع الاعتداء. ومثل ذلك، الجريمة النّكراء ضد الإنسانيّة التي ارتكبها الطالبان بتخريبهم تمثال البودا العملاق، بودا  باميان سنة 2001.
و الأحداث التي ظلّت تكرّر اليوم بقوّة في سلسلة الثّورات المضادّة التي تمكّنت من البلدان العربيّة، لهي دليل آخر على الظاهرة فسها. رأيناهم  يعتدون على المسرحيّن والمغنّين والفكاهيّين والعارضين لوحاتهم في بعض المعارض وشاهدناهم يلاحقون بالعنف من بثّ شريطا كرطونيّا، جريمته الوحيدة أنّه مثّل اللّه في وجه حسن من وجوه الشيوخ الطّيّين. و كيف يكفّون عن ذاك الصّنيع المنكر وعقولهم المغسّلة و أذهانهم المجهّلة تملي عليهم تحسين رؤية الدّماء المرهقة، والأعناق المقطّعّة، والمفاصل الممزّقة، والقلوب المحزّنة. وفي تيهانهم وطغيانهم أسموا ذلك جِهادا. ذلك هو مَدْرَجُهم نحو الذّوق والجمال ومساهمتهم في ارتقاء الفنون ونموّ الحضارة وخدمة سمعة الإسلام بين الأمم.
يتبيّن بصفة جليّة ممّا سبق أنّ الدّين والفنّ ليس بوسعهما أن يخرجا من هذه العلاقة الجدليّة بين التّآزر والتّنافر، فلو انحصر هذا التنافس في دائرة الفكر والذّوق والتّعبد المحض، قد يكون أداة تغذية وإثراء للدّين والفنّ كليهما، أمّا إذا هبط ميدان الحكم والسياسة والسّلطة الاجتماعيّة، والنّظام الجماعي، يمضي الدين يتبرّأ من الفنّ ثمّ يناله شتّى وسائل القمع والعسف، والفنّ يتمرّد على الدّين وقيوده، حتّى يصل إلى درجة الاستهزاء به والانقلاب عليه فيكون أقوى فاعل في الثوراث الفكريّة.
الإشكال في الدّين أنّه حتما مؤسّسة من بين المؤسّسات الاجتماعيّة القريبة من الحكم السّياسي، يوازيه أو يخالفه ، يسانده أو يقاومه. ومن هنا تُفتح للدّين أبوابُ الوسائل السّياسيّة : النّضال، الدّعاية، الحشد، القانون والأحكام، التّحيّل، الدّهاء، التخطيط، الكذب، المناورة، الوعد والوعيد، التّسلّط، التهديد، القمع، العنف، الحرب، القتل، الاغتيال، التعذيب.
من هذا المنظار يسقط الدّين حتما في تناقض دائم لا مناص منه، بين أصله النّظري وممارسته التّجريبيّة فالأصل في الدّين أنّه أخلاق، وإخلاص، وإيمان، وخير وحبّ وإحسان وعدل، وتفان. أمّا الدّين في العمل الاجتماعي فمحكوم عليه بأن يتخطّى سُبُلا لا تمتّ بأيّ صلة  من الصّلات لمنواله النّظري، فيعيش دائما في نوع من الانفصام الذاتي والضّمير المقلوب، تارة يقتدي بأصله الرّوحاني وطورا بصيغته السّياسيّة التي تحتوي القمع والعنف والتّهديد والثّأر.
وفي النّهاية، يضلّ الفنّ باعتباره ضرورة وجوديّة للإنسان هو الفاصل المشترك الكوني في الإنسانيّة والذي قال أن قلبه:
مرعى لغزلان ودين لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة و مصحف قرآن،
هذا الإنسان الذي قال هذا الكلام، إنّما هو فنّان بامتياز وهو عارف العارفين بأنّ الدّين السّياسي يقسّم ويفتّن و يمزّق ويكرّه وأنّ الفنّ يوحّد ويسلم ويحبّب. ومن أحسن الامثلة لذلك الشريط القيّم الذي أخرجه رومان بولنسكي "عازف البيانو"Le Pianiste والذي يرينا كيف أنّ تقسيما موسيقيا بديعا على البيانو أنهى الحرب وختم الإخاء وألّف بين أعداء.
وكم أنا سعيد بأن أخرج من ذلك إلى القول بأنّ الفنّ في ثوبه الدّيني أو اللاّديني هو أداة التّلاحم والحبّ بين النّاس و وسيلة السلم الدّائمة بينهم، خلافا للأديان الرّسميّة التي نثرت طرائقها بالحروب والعسف والقهر. سلاح الفنّ ورمزه هو النّاي، أمّا الأديان فالسيف، سيف النّظام، سيف السّياسة.
اسمحوا لي في نهاية هذه المحاضرة أن أَقُصّ عليكم حكاية طريفة عشتها مع أستاذي الجليل سيّدي الهادي التركي. دار الحديث يوما بيننا حول زيارة قام بها صحبة نفرين من زملائه من مشاهير الرّسامين التونسيّين إلى المكان الذي دفن فيه رانبرانت و هي كنيسة Westerkesk بمدينة أمستردام . هناك تجمّعوا أمام الرّخامة التذكاريّة وقرأوا الفاتحة ترحّما على روح الرّسّام النّابغة. فقلتُ لأستاذي مداعبا إياه : "يا لَيْتكم بفاتحتكم هذه تدخلونه الجنّة". عندها، حدّق إليّ الأستاذ الهادي، وحملقَ بعينيه الذّكيّتين وشنف إليّ قائلا : " فضله عند اللّه أعظم من فضلي". هذا هو الفنّان وذاك هو الإيمان.